الشيخ الطبرسي

237

تفسير مجمع البيان

الوصف بأنه لا يخفى عليه شئ ، يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه ، مع ما فيه من التصرف في العبارة ، وإنما لا يخفى عليه شئ لأنه عالم لنفسه ، فيجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما ، وما يصح أن يكون معلوما لا نهاية له ، فلا يجوز أن يخفى عليه شئ بوجه من الوجوه . ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم [ 6 ] ) . . اللغة : التصوير : جعل الشئ على صورة لم يكن عليها . والصورة : هيئة يكون عليها الشئ في التأليف . وأصلها من صاره يصوره : إذا أماله ، لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها . والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة عبارة عما وضع في اللغة ، ليدل على أمر من الأمور ، وليس كذلك الصورة ، لأن دلالتها على جعل جاعل شيئا على بنية والأرحام : جمع رحم ، وأصله الرحمة ، وذلك لأنها مما يتراحم به ويتعاطف ، يقولون : وصلتك رحم . والمشيئة : هي الإرادة . الاعراب : ( كيف ) : في موضع نصب على المصدر تقديره أي نوع يشاء . وجملة يشاء في موضع الحال من يصور أي : يصوركم في الأرحام أي : يخلق صوركم في الأرحام شائيا مريدا أي نوع أراده . المعنى : ( هو الذي يصوركم ) أي : يخلق صوركم ( في الأرحام كيف يشاء ) على أي صورة شاء ، وعلى أي صفة شاء ، من ذكر أو أنثى ، أو صبيح أو دميم ، أو طويل أو قصير . ( لا إله إلا هو العزيز ) في سلطانه ( الحكيم ) في أفعاله . ودلت الآية على وحدانية الله ، وكمال قدرته ، وتمام حكمته ، حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة ، وركب فيه من أنواع البدائع من غير آلة ولا كلفة . وقد تقرر في عقل كل عاقل ان العالم لو اجتمعوا على أن يخلقوا من الماء بعوضة ، ويصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه ويصرفونه ، لم يقدروا على ذلك ، ولا وجدوا إليه سبيلا ، فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام ؟ فتبارك الله أحسن الخالقين . وهذا الاستدلال مروي عن جعفر بن محمد " عليه السلام " . ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء